محمد أبو زهرة
2878
زهرة التفاسير
ابتدأ نوح كلامه مع قومه مستدنيا قلوبهم ، مقربا القول إلى نفوسهم ، وكان إرساله إليهم ، ولم يوجد ما يدل على أنه أرسل لغيرهم ، كما قامت رسالة رسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس . قال عليه السلام : يا قَوْمِ نادى بالرابطة التي تربطه بهم ، وهي أنهم قوم الذين يستنصرهم ، ويعتز بصلتهم ويريد الخير لهم ، ويجب كل كمال لهم : اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ والجملة الأولى دعوة إلى عبادته لأنه خالق الكون ومنشئ الوجود ، والجملة الثانية تدل على انفراده وحده بالألوهية ، فهي نفى وإثبات ؛ نفى أن يكون لهم إله غير اللّه ، ولذا قال : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، أي ليس لكم من إله غيره سبحانه ، و « من » لاستغراق النفي ، والمعنى : ليس لكم أي إله يعبد غيره ؛ لأنه الخالق ، ولأنه ليس كمثله شئ في ذاته أو صفاته ، فهو المعبود وحده . وقد حذرهم من عصيان اللّه تعالى ، والكفر به ، وعبادة غيره ، فقال : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وفي هذا يظهر عطفه عليهم داعما دعوته بخشية ما ينزل بهم ، ومع ذلك هو تهديد لهم بعاقبة إنكارهم . وقد أكد خوفه عليهم بكل مؤكدات القول ، ب « إن » ، وبقوله عَلَيْكُمْ ، وتنكير العذاب ، و عَظِيمٍ ، وأنه لا يدرك جهته ، ولا تدرك المشاعر الآن حقيقته . هذه هي الدعوة إلى التوحيد والترغيب فيها ، والترهيب من عصيانها ؛ فبما ذا أجاب قومه ؟ . قال الملأ من قومه ، أي قال الكبراء والرؤساء والأشراف من قومه مستنكرين مستهترين : إنا نراك في ضلال مبين ، وكذلك نجد الكبراء في كل قرية أكابر